محمد متولي الشعراوي

2612

تفسير الشعراوى

التعمية في قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء . وهذه القضية يجب أن تحكم حركة المؤمن ، فإذا ما فكر إنسان منسوب إلى الإسلام أن يفعل شيئا يغضب اللّه فعليه أن يفكر : أنا لو فعلت ذلك لفضحت نفسي أو فضحت ولدى أو فضحت أسرتي أو فضحت المسلمين ، وعلى الإنسان المسلم ألا يخشى الناس إن فعل أخ له شيئا يشين المسلمين ، بل عليه أن يأخذ على يديه ويرده عن فعله . ونقول لمن يستتر عن الناس : أنت استخفيت من الناس ، ولم تستخف من اللّه ؛ لذلك فأنت غير مأمون على ولاية . « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ » ، وكلمة « معهم » هذه تريد أن تجعل المؤمن مصدقا أن اللّه تخفى عليه خافية ، إنه من الممكن أن يستتر الشخص عن الناس ، ولكنه لا يسطيع أبدا أن يستتر عن اللّه ؛ لأن اللّه مع كل إنسان في الخلوة والجلوة والسر والعلن . فإن قدر واحد على الاستخفاء من الناس فهو لن يقدر على التستخفاء من اللّه . « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ » و « يبيت » أي أنه يفعل أمره في الليل ؛ لأن الناس كانت تلجأ إلى بيوتهم في الليل ، ومعنى « يبيت » أن يصنع مكيدة في البيت ليلا ، وكل تدبير بخفاء اسمه « تبييت » حتى ولو كان في وضح النهار ، ولا يبيت إنسان في خفاء إلا رغبة منه في أن ينفض عنه عيون الرائين . فنقول له : أنت تنفض العيون التي مثلك ، لكن العيون الأزلية وهي عيون الحق فلن تقدر عليها . يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ( 108 ) ( سورة النساء ) حين نسمع كلمة « محيط » فلنعلم أن الإحاطة هي تطويق المحيط للمحاط ، بحيث لا يستطيع أن يفلت منه علما بحاله التي هو عليها ولا قدرة على أن يفلت منه مآلا وعاقبة ، فهو سبحانه محيط علما لأنه هو الذي لا تخفى عليه خافية ، ومحيط قدرة فلا يستطيع أن يفلت أحد منه إلى الخارج . وسبحانه محيط علما بكل جزئيات الكون وتفاصيله وهو القادر فوق كل شئ . فإذا ما سمعنا كلمة « محيط » فمعناها أن